السيد محمد تقي المدرسي
105
من هدى القرآن
الْمَخْزُونُ ، فَهَذِهِ الْأَسْمَاءُ الَّتِي ظَهَرَتْ ، فَالظَّاهِرُ هُوَ الله تَبَارَكَ وتَعَالَى ، وسَخَّرَ سُبْحَانَهُ لِكُلِّ اسْمٍ مِنْ هَذِهِ الْأَسْمَاءِ أَرْبَعَةَ أَرْكَانٍ فَذَلِكَ اثْنَا عَشَرَ رُكْناً ثُمَّ خَلَقَ لِكُلِّ رُكْنٍ مِنْهَا ثَلَاثِينَ اسْماً فِعْلًا مَنْسُوباً إِلَيْهَا ] « 1 » . وربما بسبب عظمة الأسماء الثلاثة التي أظهرها الله لخلقه نجد أئمة الهدى ينعتون عادة ربهم بها ، فما تكاد تقرأ حديثا عن الله إلا يقولون فيه : قال الله تبارك وتعالى . . فما هو معنى « تَبَارَكَ » ؟ . إن أهم وأظهر معاني هذا الاسم العظيم الخير الكثير المستمر الذي يتصل في مقام الخالق بتواتر نعمه على الكائنات وتتابع آلائه ، التي لولاها ما استمرت ولزالت وتلاشت السماوات والأرض وما بينهما ، كما يتصل في مقام الخليقة بأنها في حالة نمو وتكامل مستمر ، لأن خالقها يعطيها بركة تلو أخرى ، مما يدل على أن مسيرة الخلق تصاعدية . وما التوسعة التي يضيفها الخالق للسماوات حينا بعد آخر والتي أشار إليها بقوله : « وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْيدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ » [ الذاريات : 47 ] إلامظهر لبركات الله ، وفي القرآن إشارات إلى هذا المعنى إليك بعضها : قال تعالى وهو يتحدث عن الرسالة : « تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيراً » [ الفرقان : 1 ] ذلك لأن الفرقان نعمة تتواصل وخير يستمر وعطاء لا ينقطع من الدنيا وإلى الآخرة . إذن فهو تَجَعَّل لاسم ربنا « تَبَارَكَ » ، وقال في معرض حديثه عن إنشاء الإنسان من طور إلى آخر حتى سوَّاه كاملا بنعمة العقل : « ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقاً آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ » [ المؤمنون : 14 ] ، وقال في سياق بيانه لنعمه التي في السماء وبركاته : « تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجاً وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجاً وَقَمَراً مُنِيراً » [ الفرقان : 61 ] « 2 » . وهكذا يكون اسم « تَبَارَكَ » الركن الأخير من أربعة أركان جعلها الله لاسمه الأعظم ، وهو يشير إلى صفات فعله ، الفعَّال لما يريد ، الجواد ، الكريم ، المنان ، المتفضل ، الوهاب ، الخالق ، البارئ ، المصور ، وهو صانع كل مصنوع ، وخالق كل مخلوق ، ورازق كل مرزوق ، ومالك كل مملوك ، وراحم كل مرحوم ، و . . . أما الأركان الثلاثة فإن واحدا منها مخزون عند رب العزة ، في حين أن الثاني هو : ( الله ) الذي يشير إلى صفات الذات ، والثالث هو : ( تعالى أو سبحان ) الذي يشير إلى صفات الجلال . « تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ » فالملك الحقيقي بيده وحده تعالى ، لأنه الباقي بعد فناء كل شيء ، ولأنه وحده القادر على التصرف في ملكه بصورة مطلقة ، أما ما يملكه الخلق فمالكيتهم
--> ( 1 ) بحار الأنوار : ج 4 ، ص 166 . ( 2 ) ولقد مر في مطلع سورة الفرقان تفصيل في بيان هذا المعنى من « تَبَارَكَ » فراجع .